حيدر حب الله
178
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
النعمان « 1 » ، ومعنى ذلك أنّه لم يعد مسموحا الاعتماد على غير الوضوح في الأسانيد ، مع تضاؤل القرائن يوما بعد يوم . ورغم أنّ المحقق نجم الدين الحلّي ( 676 ه ) قد تعرّض للاستدلال بالآيات على حجّية الخبر في كتابه « معارج الأصول » ، إلّا أنّه هناك لم يبد لنا أنّه أخذ بتلك الآيات ، ذلك أنه قال قبل سرده الآيات : « واحتجّ المتمسّكون بالنقل بوجوه . . . » « 2 » ، بل وجدناه بعد استعراضه لها ولمثل دليل إجماع الصحابة . . . يفنّد دلالتها الواحدة تلو الأخرى ، ثم ينقل مجمل كلام الطوسي وأدلته الخاصّة دون تعليق « 3 » ، وهذا معناه - كما أشرنا سابقا - أنّ ذكره بعد ذلك شروط الراوي لا يعلم أنّه يريد به مفروغية حجية الخبر ، حتّى يكون قد سبق العلامة الحلي في التركيز على السند ورجاله ، إذ من الممكن جدا - بقرينة كلامه في « المعتبر » من أنّ خبر الإمامي العدل الضابط إذا لم يطعن فيه ولم يرد معارض له هو خبر يقيني - أن يكون مراده من وراء ذكر شروط رجال السند من الإيمان والعدالة والعقل والبلوغ « 4 » و . . . تحقيق صغرى الخبر اليقيني وفق المعيار المشار إليه في كتاب « المعتبر » ، لا فتح باب النظر في الأسانيد على أساس حجيّة الخبر الظني كما هو الحال مع العلامة . هذا على أحد الاحتمالين اللذين آثرناهما من قبل في تحليل نظريّة المحقق الحلّي ، أما على الاحتمال الآخر ، وهو احتمال عدول المحقّق عن رأيه في كتاب « معارج الأصول » وتبنيه مدرسة اليقين في كتابه « المعتبر » ، فإنّ المحقّق يكون أسبق من العلامة في معالجة هذا الموضوع من الزاوية الأصولية ، أي في الدراسات الأصولية ، مع افتراض اندراجه في كتاب « معارج الأصول » في سلك القائلين بأخبار الآحاد كما هو مقتضى الاحتمال الثاني المتقدّم ، وما يبدو أنّه نحّى المحقّق عن الريادة الأصولية في هذا التشييد لنظرية العدالة في الأسانيد هو عدوله بعد ذلك عنه - بناء على الاحتمال الثاني - فكأنه أراد الدخول في هذا السياق ثم تراجع في « المعتبر » لينخرط في سلك أنصار مدرسة اليقين . وإذا أخذنا بالاحتمال الثاني ربما وجدنا حينئذ ما يعزّز - بناء على كون المحقّق من القائلين بخبر الواحد الظني - أنّه مارس ثقافة التقسيم الرباعي أو ركّز على أمر السند ، ففي كتابه « المختصر النافع » ، يردّ رواية لإسحاق بن عمّار لسببين هما : الإرسال ، ووقوع الحسن بن سماعة في طريقها ، وهو واقفي « 5 » ، والمختصر ألّفه قبل المعتبر كما هو واضح ،
--> ( 1 ) - العلامة الحلي ، مبادئ الوصول : 206 - 207 ؛ وتهذيب الوصول : 233 ؛ ونهاية الوصول : 300 . ( 2 ) - نجم الدين الحلّي ، معارج الأصول : 208 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 209 - 214 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 215 - 218 . ( 5 ) - المحقّق الحلّي ، المختصر النافع : 262 .